يُعدّ هاينر كيبهارت Heinar Kipphardt من أهمّ الكتّاب الألمان في العصر الحديث ومن أكثرهم شهرة ونجاحاً. لاقت مسرحياته خاصة صدى عالمياً إذ جرى تقديم بعضها في أكثر من عشرين بلداً، وحصل على جوائز أدبية متعددة منها جائزة شيللر وجائزة غرهارت هاوبتمان وجائزة أدولف غريّم وغيرها. وقام نجاحه في داخل ألمانيا وخارجها على كون المواضيع التي عالجها مواضيع راهنة، كما قام على وسائطه الفنية. يقول كيبهارت: كانت تقنيتي التي استخدمتها دائماً تتمثل في إشراك القارئ والمشاهد في القضية التي تدور في نفسي.
كان مسرحه من نوع جديد يرمي إلى وصف الواقع بهدف تغييره، بحيث يصبح أكثر ملاءمة وراحة للإنسان، ويتمّ التحرير المادي للإنسان كأحد شروط الحرية الفكرية والسعادة.
كان كيبهارت ممثلاً بارزاً للأدب الملتزم في ألمانيا. وكان غير راض عن الظروف السياسية والاجتماعية السائدة في بلاده. وقد استخدم الأدب، منذ البداية، كإمكانية تأثير هامة من أجل تغيير هذه الظروف لتصبح أكثر إنسانية. وكان يرى أنه يتحتّم على الكتّاب ألا يقبلوا هذا العالم الذي لامستقبل له، بل عليهم محاربته.
مرة سئل كيبهارت السؤال التالي: «لماذا يخشى ذوو السلطان الأدب؟ هل لأن مراقبة الحوار بين الكاتب والكتاب والقارئ غير ممكنة»؟ فأجاب: أعتقد أنهم يخشون الفكر المستقل. لابدّ أنهم يخشون، بحق، أن الإنسان الذي يعرّض نفسه لمتع الأدب ومعارفه، لا يعود يصلح كمواطن خنوع. هذه هي عدوى الأدب: من يتبع ميوله ورغباته، يصبح طبعاً أقل صلاحية في مكتب أو معمل أو جيش.
* * *
ولد هاينر كيبهارت في عام 1922، وتوفي في عام 1982. في عام 1940 بدأ دراسة الطب والفلسفة والعلوم المسرحية في مدينة دوسلدورف. وبعد أن انقطع فترة عن الدراسة بسبب الحرب، عاد إليها وحصل على شهادة الدكتوراه في الطب النفسي.
فيما بعد سئل مرة: «د. كيبهارت، أنت من رجال الطب؟» وقد أجاب:
أنا طبيب عصبية. طبيب نفساني. وهذا يناسب المسرح بشكل رائع. أردت آنذاك أن أتعلم مهنة مجزية لأنني كنت أريد أن أهاجر. ولم يكن من المناسب أبداً، تحت حكم النازيين، دراسة علوم إنسانية. لذا أصبحت طبيباً.
بعد قيام جمهورية ألمانيا الديموقراطية في عام 1949 انتقل إليها لأنه كان يقف إلى جانبها، وعمل طبيباً للأمراض العصبية في المستشفى التابع لجامعة برلين الشرقية.
في عام 1950 انتقل إلى العمل في المسرح وعمل حتى عام 1959 كبيراً للمراجعين المسرحيين في «المسرح الألماني» في برلين الشرقية. لكنه اختلف مع قيادة جمهورية ألمانيا الديموقراطية، فعاد إلى ألمانيا الغربية حيث عمل أولاً في دوسلدورف مُراجعا مسرحياً (دراماتورغ)، ثم انتقل إلى مدينة ميونيخ حيث عمل بين عام 1968 وعام 1973 كبيراً للمراجعين المسرحيين في مسرح الجيب. لكنه عاش النزاع نفسه مع السياسيين في ألمانيا الغربية ووقع ضحية حساسيتهم الهيستيرية فجرى طرده من عمله. وقد لقي تضامناً كبيراً من المثقفين في ألمانيا الغربية.
بعد ذلك انسحب من الحياة المسرحية وعاش بقية حياته في طاحونة قديمة في قرية انجلزبروك بالقرب من ميونيخ وكأنه ضاق ذرعاً بالحياة، لكن أحداث العالم كانت تجذبه إليها دائماً. وقد شارك في الفترة الأخيرة من حياته في حركة السلام العالمية مشاركة فعالة.
(في حزيران 1982 قابلت هاينر كيبهارت أثناء مؤتمر أدبي عالمي كبير عقد في مدينة كولونيا الألمانية. قلت له إنني انتهيت لتوّي من ترجمة مسرحيتين له إلى اللغة العربية. دعاني إلى زيارته في قريته، وطلب مني أن أرسل له نسخة عربية من كل من المسرحيتين. وقد وعدته بالاتصال به حال نشر المسرحيتين. لكن المنية عاجلته وهو لم يتجاوز الستين من عمره).
كان كيبهارت رقيق الشعور. وكان أحد جراحه التي لم تندمل هو أن والده كان معتقلاً سياسياً في أحد معسكرات النازية. لهذا كان كيبهارت مرهف الإحساس ضد العنف والتسلط والاستعراضات السياسية. ومن هنا أيضاً انبثقت أحلامه عن عالم إنساني.
ابراهيم وطفي، هو أول مترجم عربي لأعمال فرانز كافكا عن اللغة الألمانية مباشرة، واحتلت ترجماته المكانة الأولى وسط العديد من المحاولات المتأخرة التي سعت لنقل أعمال هذا الروائي الكبير، حتى أصبح وطفي مرجعا قائما بذاته لأعمال كافكا.
ولو لم يكن وطفي أديبا بدوره، فما كان لترجماته أن تحظى بما حظيت به من مكانة مرموقة بين النقاد والصحافيين والقراء.
كتاب وصحافيون من مختلف أرجاء العالم العربي كتبوا عنه وعن ترجماته العشرات من المقالات، جسدت الأثر الكبير الذي تركته أعمال كافكا. وأصبحت تلك المقالات مجلدا من جزئين بعنوان "كافكا العربي".
وانخرط وطفي في مخاطبات ولقاءات ورسائل مع العشرات من الكتاب والباحثين الألمان، جعلت من ترجماته تتصف بمستوى عال من الدقة والكمال. وذلك في عمل نادرا ما انخرط به مترجمون آخرون. وقد تم جمع هذه المراسلات في كتاب آخر بعنوان: "مراسلات حول كافكا".
ما جعل وطفي مترجما مختلفا، هو أن فرانز كافكا كان بالنسبة له أكثر من مجرد أديب عبقري يصلح للقراءة على مر العقود، بل كان حياة بأسرها، شغلت أعمال كافكا وحياته كل ركن من أركانها.